كلُّ كريمٍ بما قدَّم يُكرَم… هل الكرم فطرة أم إرث؟

الكرم قيمةٌ إنسانية ضاربة في جذور التاريخ، وخصلةٌ لا تُقاس بكثرة العطاء وحدها، بل بصدق النية وجمال الأثر. وحين يُقال: كلُّ كريمٍ بما قدَّم يُكرَم، فالمعنى أعمق من الثناء العابر؛ إذ هو إقرارٌ بأن الكرم فعلٌ يُخلّد صاحبه، ويصنع له مكانةً في القلوب قبل المجالس.
ويبقى السؤال حاضرًا: هل الكرم أمرٌ فطري يولد مع الإنسان، أم سلوكٌ مكتسب تصنعه البيئة والتربية والتاريخ؟
الحقيقة أن الكرم يجمع بين الأمرين. فهناك من يولد وقلبه مفتوح، يميل إلى البذل بطبعه، ويأنف من الإمساك، كأن الكرم يسري في دمه سريان الغريزة. وفي المقابل، هناك كرمٌ تُنشئه القيم، وتغذّيه التربية، وتكرّسه القدوة، حتى يصبح سلوكًا ثابتًا لا ينفصل عن الشخصية.
وعندما يُذكر الكرم الحاتمي، فإننا لا نتحدث عن حالة فردية عابرة، بل عن نموذجٍ شامل صار رمزًا تاريخيًا. حاتم الطائي لم يكن كريمًا لأنه يملك، بل لأنه آمن بأن العطاء هو المعنى الحقيقي للسيادة، وأن الضيف حق، والجائع أمانة، والمحتاج شرف. لذا تحوّل اسمه إلى مقياس، وصار الكرم يُنسب إليه اختصارًا لكل معاني الجود والإيثار.
الكرم الحاتمي لم يكن طعامًا يُقدّم فحسب، بل موقفًا، ونجدةً، ووفاءً، وحفظًا للجار، وإغاثةً للملهوف، وبذلًا دون انتظار مقابل. ومن هنا أصبح الكرم مفهومًا شاملًا، لا يرتبط بالمال وحده، بل يشمل الكلمة الطيبة، والوقت، والوقوف مع الآخرين في الشدّة قبل الرخاء.
وفي النهاية، يظل الكرم مرآةً صادقة لأصالة الإنسان. فمن قدّم بصدق، كُرِّم بفعله قبل أن يُكرَّم بذكره، لأن العطاء الحقيقي لا يضيع، بل يعود لصاحبه احترامًا ومكانةً وذكرًا طيبًا. وهكذا يبقى المعنى خالدًا: كلُّ كريمٍ بما قدَّم يُكرَم
إعداد:
مراسل بوابة مصر الإخبارية في السعودية
سعود سعد الهديرس
كاتب صحفي وإعلامي




