الحديث عن الجنة


لقد عاش الأنبياء والمرسلون وأتباعهم عبر الدهور والعصور يدعون الله تعالى أن يبلغهم الجنة، وأن يمن عليهم ويحقق لهم هذا المطلب العظيم، فسعوا بكل ما أوتوا من همة وعزم إلى التنافس في ذلك، فأسهروا ليلهم قياماً، وأشغلوا نهارهم ذكراً وصياماً، وهجروا ملذات الدنيا طلباً وسعياً إلى هذا الغرض النبيل، والمقصد العظيم.
الدعاء بالجنة
الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في السماء عرشه وفي كل مكان رحمته وسلطانه، وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره.وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، شهد الذئب بنبوته وشهد القمر برسالته، وتفرق السحاب إكراماً لإشارته، بعثه الله جل وعلا على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه كما وحد الله وعرف به ودعا إليه.اللهم وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:أيها المؤمنون! فإنه ما من وصية أبلغ ولا من أمر أعظم من قول الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].ثم اعلموا عباد الله! أن نبيكم صلى الله عليه وسلم مر على رجل من أصحابه ومعه معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، فأخذوا يتذاكرون الدعاء فكان من جملة ما قاله ذلك الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه: (أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، ولكنني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن) أي: ما تسأله الله جل وعلا هو ما نسأله أنا ومعاذ .أيها المؤمنون! قد يظن البعض أن الحديث عن الجنة أمر تقليدي مكرر تكاد تسأمه بعض النفوس، ولا ريب أن هذا خلاف الفطرة وخلاف هدي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهل أرق الصالحين وأقض مضاجع المتقين إلا أنهم يخافون أن يمنعوا من دخول الجنة؟!وهل عاش الأنبياء والمرسلون وأتباعهم من الأخيار عبر الدهور والعصور إلا وهم يسألون الله جل وعلا أن يدخلهم الجنة، وهل خير رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته حتى يتسنى له البقاء والخلد في الدنيا بأعظم من أن يقال له: الخلد في الدنيا ثم الجنة، فاختار صلى الله عليه وسلم لقاء ربه ثم الجنة.وهل وعد الله عباده الأبرار وأتباعه الأخيار ممن آمن به من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بعطاء هو أعظم أو أجل من الجنة؟ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] .وهل عاقب الله جل وعلا أحداً ممن عصاه بأعظم من حرمانه من دخول الجنة؟! أعاذنا الله وإياكم من الخذلان والحرمان.

بيان الجنة التي أخرج منها أبونا آدم
أيها المؤمنون! الجنة خلقها الله جل وعلا في ظاهر أقوال العلماء وظاهر القرآن بيده، وهي الدار التي أعدها الله تبارك وتعالى لأوليائه وأهل طاعته.وقد اختلف العلماء في الجنة التي دخلها أبونا آدم يوم خلقه الله، قال الله جل وعلا في سورة البقرة: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35] فقال كثير منهم: إن المقصود بها جنة الخلد التي وعدها الله جل وعلا عباده المتقين بعد بعثهم.وقال آخرون من أهل العلم من أهل السنة وغيرهم إنها ليست جنة الخلد وليست جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عباده بعد البعث، ولكنها جنة إما في السماء الدنيا وإما في الأرض، واستدلوا على ذلك بأمور منها:أن الله جل وعلا أخرج آدم منها، قالوا: والأصل أن الجنة دار خلد فكيف أخرج آدم منها؟ وقالوا: إن الله جل وعلا كلف فيها آدم وابتلاه بألا يأكل من الشجرة، والجنة الأصل أنه لا تكليف ولا ابتلاء فيها.وقالوا: إن الشيطان دخل إليها فوسوس إلى آدم، والأصل أن الشيطان لا يدخل الجنة.إلى جملة من الأدلة والبراهين عندهم. والظاهر – والله أ علم – أن كل ذلك جرى بقدر الله ولا نجزم به، والأظهر الذي دل عليه القرآن أنها جنة الخلد؛ لأن الله قال: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35] والألف واللام فيها للعهد، وليس في عهد من يقرأ القرآن وذهنه إلا أنها جنة الخلد إذ لم يذكر القرآن جنة غيرها.كما أن من جملة الأدلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم في الصحيح أخبر: (أن أهل الموقف من أهل الجنة يوم القيامة من المؤمنين يأتون أباهم آدم فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة، فيقول آدم عليه السلام: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم) ؟ فظاهر قوله عليه السلام: (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم) أنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عباده.وأياً كان الأمر فإن المسلمين متفقون على أن الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين هي جنة المأوى وجنة الخلد في السماء السابعة، وأنها مخلوقة موجودة الآن، وقد قدر الله أنها لا تبيد ولا تفنى.