ابراهيم سلطان الفردى يكتب قلب الحقائق

أسوأ ما يمكن استيعابه والعيش به معذبًا هو أن تكون كإنسان على علم بالحقيقة التي تعيش فيها وتنكرها بل وتقلبها على وجه آخر وكأنك تستدعي لنفسك مبررًا لأن تنكرها جملةً وتفصيلا ،‎ ولا يتقن هذه الممارسة إلا فاقدي الثقة بأنفسهم، والخائفون من مواجهة الآخر، ولكن مهما تكن حقيقه الأمور التي اكتشفتها لديك واقتنعت بها بينك وبين نفسك وكانت بمثابة ثوره على نفسك، لا تخفيها ولا تنكرها، بل استجمع قواك وواجه نفسك قبل أن تواجه الآخر، وأقرر بكل ارتياح حقيقة الأمور ولا تخشى إلا الله، فإذا كنت بالفعل تخشاه ستقوى على البوح بحقيقة الأمور.

الإنسان ده بقدر ما يمتلك من قوى عناد مع ما حوله هو ضعيف مع نفسه لا يستطيع عنادها فيفتن بها ويطاوعها بقوة وينزلق في المشاكل بكل اندفاع ويكون دائمًا خاسرًا ولا يستفيق أبدًا إلا بعد فوات الأوان، وهذا نادرًا لأنه لا يستفيق، لأنه وضع نفسه في إطار محاط بما يشبه الشباك لا يستطيع الخروج منه ولا يستطيع التحرك بحرية، فإذا ما خرج من هذه الشباك فحتمًا سيحدث بها قطعًا وسيعطي مجال الهروب لكثيرين غيره تم اصطيادهم بحرفية متقنة وقد تصيبه بعض الجروح لأنه استفاق وأدرك الإدراك الذي سيجعله معذبًا أكثر من حاله وقت ما كان ينكر الحقائق، فمثل هذا حينما يدرك حقيقة نفسه يكون الأمر عليه أشد قسوة من كونه لا يبالي للأمر كله شيئًا.‎فإذا ما تحدثنا هنا عن هؤلاء الشباب الذين ينكرون أنظمة الحكم القائمة في بلادنا بل ويحاربونها بالقوة معللين ذلك بتبريرات سخيفة ضحلة، لأنهم مثلا غير قادرين على التعايش ولا الالتزام لبنود وأحكام تلك الأنظمة، أو لأنها لا تتفق وهواهم، فقليل الثقة أو منعدم الثقة دائمًا يبحث عن الأنظمة التي تجعله يتحكم بمن حوله ويرفض الأنظمة التي تحكم قواعد التعامل بينه وبين غيره، ومن هنا جاء اللغط والخلط في الأمور عن نظام الخلافة والحكم في الإسلام قديمًا والذي قنع المتشددون والمسلوبة عقولهم بأن القوة والعنف هما من يفرضان الأمر كله وهما منهج السيطرة على العباد ومن ثم إجبارهم على أتباع الدين ونشره والعمل على تطبيق تعاليمه، ولا عجب من ذلك طبعا أن تكون هذه عقولهم، لأن صاحب العقل الراجح لا يمزج أبدًا في فهمه كون أن الدين جاء بالرحمة وفي نفس الوقت أنتشر بالقسوة، كيف يتماشى الأمران معًا، وهذا بعينه ما ينكره بينهم وبين أنفسهم هؤلاء فاقدو الثقة بأنفسهم لأنهم يعلمون خطأ الأمر ومع ذلك ينكرون لأن لهم مآرب أخرى، لأنهم يريدون لأنفسهم لا لدينهم.عندما تصفحت كتابًا لفضيلة الشيخ الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف عن تصحيح المفاهيم الدينية، ضمن مجموعة من الكتب التي بدأت منذ فترة وزارة الأوقاف وعلماء المسلمون الالتفات بشكل قوي لتفنيد محتواهم حتى لا يقع ضعاف النفوس ضحية الفهم الخاطئ وحتى نواجه بالحقيقة المنضبطة تلك المفاهيم التي يؤلها البعض ويستخدمونها كذريعة لاصطياد هؤلاء الشباب وجدت أن كل الأمور تحتاج معلقات للسرد والإيضاح، لكن أكثر ما اهتممت به هو نظام الخلافة، لأنني وضعت نفسي مكان هؤلاء المغيبين، وطرحت على نفسي هذا السؤال: لماذا ينبغي عليّ أن أنتهج فكرهم، ما الذي أنظر إليه في نهاية الطريق، بالطبع هم يقولون نصرة الدين وابتغاء مرضاة الله، لكنني وجدت أن لا الدين انتصر بالقتل ولا الله يرضى أن نقتتل وتسفك دماؤنا، ولا يناله من دمائنا وأرواحنا بهذا الشكل الفظ إلا تغلب الشيطان علينا في معركة ابتدت منذ الخليقة.ووجدت أن مسألة نظام الحكم هي السبيل لذلك الأمر ما هي إلا حسابات ومصالح فقط للسيطرة على الأوطان وليس لإصلاح الأوطان، هم يريدون كما يزعمون الخلافة لكي يتحكموا فقط ويستدعوا أحوالا بعينها كانت تصلح لزمانها ومكانها وهذا أيضا ما يزيفونه بفهمهم الخاطئ دون مسألة الدين ونصرته تماما ، فكما ورد في ذلك الكتاب: (الخلافة وصف لحالة حكم سياسي متغير يمكن أن يقوم مقامها أي نظام أو مسمى يحقق مصالح العباد والبلاد وفق الأطر القانونية والاتفاقات الدولية) ونصوص هذه الاتفاقات تتناسب مع زمانها وأحداثها، فلا مجال للفوضى ولا كسر المعاهدات الدولية التي ترتبط بالأوطان وحدود أراضيها، بعكس ما هو قائم في نظام الخلافة فهم يريدونها بلا حدود ولا أوطان، بل كنا نعرف مثلا أرض الشام وبلاد بابل وهذا ما يريدون استعادته من الماضي، متناسين القوانين والتشريعات التي تحكم وتنظم العلاقات بين الدول والشعوب وهذا ما لا يصلح لزماننا فلا الناس ظلت قليلة العدد ولا محدودة في المكان، بل توسعت في الأرض وانتشرت بثقافات وحضارات مختلفة علينا تقبلها ومعايشتها، لا إنكارها وعدم مواجهتها وإنكار حق ذلك ونحن نعلم يقينًا أن الله جعلنا مختلفين واستخلفنا في الأرض لنعمرها من أطرافها إلى أطرافها، وليس لنقتل من يسكنوها بزعم حكم الله، وما كان الله أبدا ليحكم إلا بالرحمة والعدل، هذا هو بعينه قلب الحقائق.