باب زمانتاريخ

الوطن يرمم ذاكرته.. حكاية الذاكرة العنيدة

كتب_زينب غازي

نشاهد عامل الترميم يمرر فرشاته على حائط في عمارة بوسط البلد، طبقة معجون عمرها ستون عاماً تسقط، فيظهر من تحتها حرف ذهبي باهت: “شيكوريل”، لم يهدم الجدار ليعيد بناءه، فقط أزال ما غطاه. اليافطة قد تتغير بقرار في دقيقة، أما لسان الناس فلا يتبدل إلا إذا رضي القلب والعقل معاً، وسامح الماضي وتقبل الجديد، دون أن يُجبر على نسيان اسم شارع سكن فيه تاريخه، لذلك لا بد أن يكون الترميم على نحوٍ لا يُمجّد ولا يمحو، بل يكشف ويواجه، ثم يُكمل.

اطلب من سائق تاكسي “شارع 26 يوليو”، سيقول لك: “تقصد شارع فؤاد؟” اسأل عن ” شارع إبراهيم باشا”، سيرد: ” هو شارع الجمهورية .. هنعمل إيه؟” قل لصاحب محل في وسط البلد “شارع طلعت حرب”، سيبتسم: “أيوه..سليمان باشا”.

نحن لا نحافظ على اسم الحاكم، نحن نحافظ على تاريخنا الشخصي الذي اندفن تحت الاسم ده.نعترف هنا انها ليست أخطاء لسان، هذه ذاكرة عنيدة، لا تعترف بالقرارات الإدارية، الذاكرة التي لا تُغيّرها ورقة مكتوبة أو يافطة معلقة على حائط في الشارع أو الحارة او الزقاق.

الخريطة تقول شارع شارع مجلس الشعب، لكن الحنين يقول شارع قصر العيني، الخريطة تقول ميدان الثورة، لكن الدم يقول ميدان الإسماعيلية، والوطن حين يرمم ذاكرته، يترك الخريطتين مفتوحتين على نفس الصفحة.الشارع كان أصدق من الكتب. احتفظ بالاسمين معاً: الرسمي على اليافطة، والحقيقي على اللسان. احتفظ بالعهدين في قلبه، ورفض أن يمزق صفحة ليكتب أخرى.

العقل يترك الاسم القديم محفوراً على بوابة العمارة، كأنه يقول: “هذا تاريخي… بكل طبقاته”.يفتح قصر عابدين متحفاً، ويضع صورة الملك في قاعة، وصورة الضباط في القاعة المقابلة،لا يحاكم أحداً، لكنه يروي الحكاية كاملة.

يعيد تمثال ديليسبس إلى قاعدته في بورسعيد، ليس تمجيداً للرجل، بل اعترافاً بأن التاريخ حدث، وحين نحذف منه سطراً، نفقد سياق الصفحة كلها.الترميم ليس تجميلاً. الترميم شجاعة. شجاعة أن ترى الشرخ في الجدار والذهب في النقوش، وتقول: “هذا كله أنا”. أن تعترف أن طلعت حرب بنى الاقتصاد، وأن من أمموه كانوا يظنون أنهم يحمونه كلاهما كان يحب، بطريقته.

بدلا من محاربة الذاكرة العنيدة ، قرر يرممها، يرمم عمارات وسط البلد ويترك الاسم القديم محفور على الباب. يفتح قصر عابدين متحف، ويحكي حكاية الملك والضباط في نفس القاعة، كأنه بيقول: لن نمسح سطر، هنكمل الكتاب.

الزمن لا ينسى، انها محاولة صعبة لكى ينسي بالقوة، و اليوم الوطن يصالح بين الاسمين، بين العهدين، بين الجرح ومن ضمد الجرح، بيرمم ذاكرته، لكى يسير الى المستقبل دون أن يعرج على قدم مكسورة اسمها “الماضي”.

زينب غازي

صحفية بجريدة بوابة مصر الإخبارية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى