متلازمة البيت الزجاجي

كتب_زينب غازي
كان “البيت الزجاجي” تحذيراً قاله الأولون, واليوم صار قدراً اخترناه بأيدينا, كلٌ منا يسكن جدراناً شفافة، والعالم بأكمله مطل على عتمتنا، واصبحنا لا نخاف من الفضيحة، بل نخاف من التجاهل.
لم نعد نحتمي بالجدران، بل نكسرها بأيدينا ونقول للعالم: انظروا. هكذا وُلدت “متلازمة البيت الزجاجي”حين تحوّلت الخصوصية من أسوارٍ تحمينا، إلى حدودٍ نتخطاها طوعاً. زمان البيت الزجاجي كان قصراً للمشاهير، يتقاضون الملايين على كل تفصيلة تُسرّب من حياتهم، هم باعوا خصوصيتهم بملايين، ونحن نمنحهم هديّة مع كل منشور، ندفع الثمن من عافيتنا النفسية مجاناً.
نوثّق ما لم نعشه بعد، فطوراً بارداً، وطلاقاً مفتوحاً، ودمعاً لم يجف، ونوثّق ما لا يُوثق، مرضاً لم يبرأ، وموتاً لم يُدفن، وروحاً تهوي من السماء.
وصلنا لمرحلة بنصور الموت لايف لأجل التفاعل، بنحول الوجع لمحتوى، ولما يعترض البعض “امسح الفيديو حرام” بنهاجم هجوم شرس و يستمر التهزئ و السب من مختلف الأنواع.
لا تجعل من خصوصيتك مشهداً، ولا من فرحك فقرة، ولا من وجعك مادة، ولا من عمرك قناة يُضغط عليها “اشتراك”. قبل ما تدوسوا “نشر” اسألوا نفسكم سؤال واحد، لولا وجود لايكات وكومنتات كنتِ هتنزلوا هذا البوست ؟”، لو الإجابة “لأ” يصبح هذا مختلف عن التوثيق، ،انتوا بهذا بتشحتوا انتباه.
كل واحد اصبح قناة فضائية شغالة 24 ساعة، استوري الصبح، بوست الضهر، لايف بالليل، ننشر غسيلنا على الهوا، و نستغرب لما الناس تتفرج وتعلق.
لو نزلت صورة وانتِ بتعيط وكاتب “تعبان ومحدش حاسس بيا” هتلاقي 2000 لايك و 500 كومنت “سلامتك يا قلبي، ألف سلامة، الدنيا مش مستاهله”.نزلت صورة وانتِ واقف أمام مشروعك الجديد وكاتب”الحمد لله ربنا كرمني” = 100 لايك وكومنتين “ما شاء الله” وواحد رخم “شكلك عامل فلتر”.
صرنا نتاجر بأوجاعنا، حوّلنا الاكتئاب محتوى، والطلاق ترند، والمرض استعطافاً، وإذا قال لك أحدهم: “توقف عن الشكوى واعمل على نفسك” غضبت وحظرته، لأنك لا تريد علاجاً، أنت تريد تصفيقاً على مسرحية حزنك.
وأعجب ما وصلنا إليه، تصوير الموت، يرى أحدهم إنساناً ينهي حياته، فلا يمد يده لينقذه، بل يمد هاتفه ليصوره، وامرأة تلفظ أنفاسها في غرفة إنعاش فلا ندعو لها، بل نلتقط صورتها ونكتب “ادعولها، صرنا شهود عيان على الكوارث، لا شركاء نجاة.
بنوثق اللحظة بدل ما نعيش الإنسانية، اصبحنا مخرجين أفلام رعب، وساعتها بنزعل لما نجد تعليق “انتوا ناس باردة، كنتوا لحقتوه بدل التصوير”، انت عرضت الفيلم ، ما تزعلش من رأي النقاد.
هناك فرقٌ بين من يعرض كتاباً يقرأه وبين من يعرض روشتةً يبكي بها، وبين من يشارك فكراً يرتقي به وبين من يستعرض وجعاً يستدر به العطف، الأول يبني، والثاني يهدم ستره.
اسأل نفسك قبل نزول البوست *أنا بنشر ده لمين؟* لنفسي ولا للعالم؟ *أنا مستفيد إيه؟* قيمة ولا شفقة؟ *هستحمل الكومنتات؟* ولا هزعل وأقول الناس وحشة؟اسدلوا الستارة المفتوحه على العالم ، عيشوا لنفسكم، لو حابين تشاركوا لن تكون كل التفاصيل متاحة وصالحة الظهور على الكره الارضيه.
السوشيال ميديا ليست وطناً تسكنه، إنها خشبة مسرح تعرض عليها ما تريد، وأما الحياة فهي ما يحدث حين تنزل الستارة، بعيداً عن عيون المتفرجين، والحقيقية لا تُبث إنها تُعاش في صمت الكواليس، بلا تصفيق.




