مجتمعات ومنوعاتسياحة

جبال الألب في ضيافة جبل طويق

الرحّال العالمي والإعلامي سعود سعد الهديرس يغادر محطّته حاملاً اكتشافات لم تُروَ من قبل… ومفتاحاً لتسهيل السياحة

في مشهدٍ يخلط بين قمم الثلج وظهر الهضبة النجدية، يودّع الرحّال والكاتب والإعلامي سعود سعد منصور الهديرس محطّته الأخيرة، لا بوصف المغادرة انقطاعاً، بل بوصفها نقلاً للخبرة من سفوح الألب إلى سفوح طويق: رحلةٌ تبحث عمّا لم يُكتب، وتفتح باب الاستعلام للسائح قبل أن يضع قدمه على الطريق.


من نجد إلى العالم… ثم العودة إلى القلب

سعود سعد منصور الهديرس رحّال عالمي وإعلامي وباحث اجتماعي، جعل من الطريق مشروعاً لا هواية عابرة. لم تكن الرحلة عنده انتقالاً بين المطارات، بل قراءةً للمكان: كيف يعيش الناس على السفح، وكيف تُروى الجبال، وكيف يضلّ السائح حين تتفرق المعلومة وتتّحد الصورة.

ولذلك حين يُقال «مغادرة الرحّال العالمي والإعلامي»، فالمقصود ليس اختفاء الاسم من الخريطة، بل انتقال المحطة: من مشاهدة الجبل الأوروبي إلى قراءة الجبل السعودي بعينٍ عادت محمّلة بالمقارنة، لا بالمحاكاة.

لماذا الألب؟ ولماذا طويق؟

جبال الألب، في المتخيّل السياحي العالمي، رمز للمسارات المرسومة، والإرشاد الواضح، والخدمات التي تسبق السائل قبل أن يسأل. وجبل طويق، قلب إقليم اليمامة ونجد، سلسلة صخرية مقوّسة تمتد مئات الكيلومترات من نفود الثويرات شمالاً حتى مشارف الربع الخالي جنوباً، وتُرى من الفضاء، وتحتضن على ظهرها حواضر وودياناً ومسالك عرفها الجغرافيون العرب منذ الهمداني والحموي، ثم أعاد الزمن فتحها للسائح المعاصر تحت أسماء مثل «حافة العالم» ومسارات الهايكنج حول الرياض.

العنوان «جبال الألب في ضيافة جبل طويق» ليس زينة بلاغية. هو فرضية عمل: أن الخبرة المتراكمة في الجبال الأوروبية يمكن أن تُستضاف في جغرافيا نجد، لا بنقل الثلج إلى الصخر، بل بنقل منهج الاكتشاف وتيسير الاستعلام. الهديرس يغادر وقد جعل من هذه الفرضية مشروعاً لا ذكرى سفر.

اكتشافات الرحلة: ما لم يكن معروفاً… أو لم يكن مروياً

يميز الهديرس بين نوعين من الاكتشاف. الأول جغرافيّ ظاهر: موقع، مسار، مورد ماء، حافة صخرية، قرية منسية على ظهر الجبل. والثاني أعمق: الدلالة؛ أي المعنى الذي يحمله المكان حين يُقرأ اجتماعياً وتاريخياً وسياحياً في آن. وهو يصرّ على أن كثيراً مما يُحسب «معروفاً» في الخرائط يبقى مجهولاً في تجربة السائح، لأن المعرفة المبعثرة لا تصنع طريقاً.

من أبرز ما خرج به من رحلاته ومقارناته — بحسب مشروعه الإعلامي والبحثي — أربعة اكتشافات عملية:

أولاً: اكتشاف المسار لا القمة. القمم تُصوَّر، أما المسارات الآمنة والمواسم الصحيحة ونقاط الاستراحة والعودة فهي ما ينقص الدليل المحلي في غير قليل من المواقع الجبلية السعودية. ما تعلّمه من منظومة الألب أن السائح لا يشتري المشهد وحده، بل يشتري وضوح الخطوة التالية.

ثانياً: اكتشاف الذاكرة الشعبية بوصفها خريطة. في طويق روايات عن الثماد والقطور والزّلتة، وعن موارد مثل ثمد حجلة وسريحان، وعن أسماء الأودية من حنيفة إلى نساح وبرك والفاو. هذه المادة كانت حبيسة المجالس والرحلات الخاصة. الهديرس يعيد توصيلها إلى السائح بلغة الاستدلال لا بلغة الإنشاء.

ثالثاً: اكتشاف الفجوة بين الصورة والتسهيل. المملكة فتحت أبوابها للسياحة بخطى واسعة ضمن مستهدفات رؤية 2030، غير أن السائل ما يزال يضيع بين تطبيقات متفرقة ومعلومات غير موحدة عن التصاريح، والتخييم، والسلامة، وأوقات الزيارة، والخدمات حول الجبل. الفجوة نفسها رآها في بعض المسارات العالمية قبل أن تُغلق بالتنظيم. مغادرته تحمل هذا التشخيص لا بوصفه نقداً، بل بوصفه فرصة.

رابعاً: اكتشاف أن الإعلام الرحّال ليس صورة بل خدمة. الكاميرا بلا استدلال تُبقي المكان لغزاً جميلاً. أما الإعلام الذي يسأل ويوثّق ويرتّب الاستعلام فيحوّل الدهشة إلى دليل، ويجعل الزيارة التالية أسهل ممن سبقها.

تيسير الاستعلام: من الدهشة إلى الخدمة

لا يكتفي الهديرس بسرد المشهد. الشقّ الثاني من مشروعه — وقد خاطب به وزارة السياحة عبر منصة «إكس» تحت وسم الشتاء السياحي — تطبيقٌ يجمع البعد الثقافي والاجتماعي والسياحي والعلمي، ويعتمد على الدلالة والاستدلال في تقديم المحتوى. وصفه بأنه «أول عمل من نوعه على مستوى العالم» من حيث طريقة الربط بين المعنى والمعلومة، لا من حيث عدد الشاشات.

الفكرة بسيطة وعسيرة في وقت واحد: أن يجد السائح في موضع واحد ما كان يسأل عنه في عشرة مواضع. أين أقف؟ ما اسم هذا الجرف؟ هل المسار مفتوح هذا الأسبوع؟ أين أقرب نقطة إمداد؟ ما الحكاية المرتبطة بهذا الوادي؟ ما الاحتراز المطلوب في الحرّ أو في موسم السيول؟ وكيف أصل من الرياض إلى حافة طويق دون أن أضيع بين أسماء سدوس والفهرين والعارض؟

هذا هو المقصود بـ«تسهيل الاستعلام عن جميع الأمور المسهّلة للسائح»: تحويل المعرفة المتفرقة إلى دليل حيّ، يسبق الرحلة ويرافقها ويعود معها. المغادرة هنا مغادرةٌ لطريقة السفر العشوائي، لا مغادرةٌ للسفر.

ماذا يأخذ السائح من طويق إذا استضاف الألب؟

لا يطلب الهديرس أن يصير طويق جبالاً بيضاء. يطلب أن يصير الوصول إليه بنفس وضوح الوصول إلى مسارٍ ألبيّ مرقّم: لوحة، خريطة، درجة صعوبة، تقدير زمني، نقطة إنقاذ، رواية مكان. حينها تصبح الضيافة مكتملة: الجبل السعودي يستضيف منهج الجبل الأوروبي، ويضيف إليه ما لا يملكه الألب: طبقات التاريخ النجدي، وخط اليمامة، وارتباط اسم طويق بهمّة الإنسان السعودي كما تردّد في الخطاب الوطني المعاصر.

وللسائح، محلياً كان أو وافداً، تعني مغادرة الهديرس من محطته الأخيرة أمراً عملياً:

أن يسأل قبل أن يسافر، لا بعد أن يضلّ.

أن يعرف أن طويق ليس نقطة واحدة على الخريطة، بل قوساً طويلاً له أبواب متعددة من الزلفي إلى الحريق إلى وادي الدواسر.

أن يفرّق بين التخييم العشوائي والزيارة المسؤولة التي تحفظ الصخر والنبات والآثار الصخرية القديمة على السفوح.

وأن ينظر إلى الإعلام الرحّال لا بوصفه استعراضاً للصور، بل بوصفه جسراً بين الوزارة والميدان والقارئ.

خاتمة الطريق

يغادر سعود سعد الهديرس كما يغادر الدليل حين يسلّم الخريطة لغيره: لا ليُغلق الدفتر، بل ليُفتح دفتر جديد على ظهر جبلٍ أقرب إلى بيته. الرحلة منحته العين التي ترى ما بين الصخر والناس، والإعلام منحه الصوت الذي ينقل هذا البصر إلى السائح قبل أن يضع حقيبته.

جبال الألب، بعد اليوم، ضيفٌ ثقيل الظلّ على طويق؛ ضيفٌ محمود إذا تعلّمنا منه ترتيب السؤال قبل ترتيب الحقيبة. أما الاكتشاف الأكبر الذي يحمله الهديرس فليس قمّةً سُمّيت باسمه، بل منهج: أن تُروى الأرض كما لم تُروَ، وأن يُسهَّل على السائح ما كان عسيراً، وأن يبقى الجبل — أيّاً كان اسمه — بيتاً يُزار بعلم، لا لغزاً يُلتقط في صورة ثم يُنسى.

من العالم جاء، وعلى طويق يعود. وبين المحطتين جبالٌ وأسئلة، ومشروعٌ ينتظر أن يتحوّل من جهد فردي إلى منجز وطني يخدم السائح ويعزّز حضور المملكة في سياحة المعرفة لا سياحة العبور.

عبدالرحمن حسن " آلراقي "

مستشار إعلامي/ رئيس تحرير جريدة بوابة مصر الإخبارية/ مقدم إذاعي وتليفزيوني/ معلق صوتي/ مستشار الإعلام بحلف مصر لحقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى