
كتب_زينب غازي
المباني القديمة و الأثار ليست مجرد حجر وطوب وأسمنت، لكن هى أكبر شاهد على التاريخ، حتى لو المتبقى منها جزء بسيط أو حيطة مهدمة، تحكي عن حقبة كاملة عاشها ناس قبلنا.
كل مبنى ليه ريحته وعبقه، يفكرك بالفرح ولمّة زمان، أو يفكرك بالحرب والوجع، في الحالتين أول ما عينك تيجي عليه الزمن بيرجع بيك لورا، بتشوف نفسك، أو تشوف أجدادك وهم ماشيين في نفس الشارع وعايشين في نفس المكان.
المشكلة اننا بنتعامل معاها على إنها قديمة وملهاش لازمة، وبنهدمها عشان نبني الجديد، و نجهل ان من نهدمه هو هويتنا وذاكرتنا، البلاد التي فهمت قيمة المبانى والآثار حافظت عليها وأصبح مصدر فخر لها.
ولما نبدأ ندور على سر المبنى الأثري ونقلب في الكتب ونسأل ونوصل لتفاصيله، بنحس بفخر وسعادة كأننا عثرنا على كنز، بنعرف مين بناه وامتى وليه، وبنحس إن لينا جذور وتاريخ عريق.
لكن أصعب لحظة هي لما نرجع في يوم نلاقي المكان اختفى، اتهد وبقى مكانه جراج عربيات، أو ملاهي، أو كوبري، ساعتها القلب بيتقبض ونقف قدامه ونقول “وأسفاه”، على حتة مننا راحت، وعلى حكاية اتمسحت، وعلى ماضي كان ممكن ولادنا يتعلموا منه الكثير.
كأننا بنقطع من شجرتنا وبنرميها، بنبني جديد لكن من غير روح ومن غير هوية، لإن التاريخ لا يمكن اعادته ، ولو ضاع لن يعود، لابد من أن نحافظ عليه، وعند البحث عن كنوزنا الأثرية نجد معلومه مفيده تفرحنا و تسعدنا، بدلا ان نجد مكانها انتهى وزال، واصبحنا نقول كان هنا.
اعتقدنا أن البناء الجديد وحده هو التقدم، توهمنا أن المستقبل يعني مسح الماضي، حسبنا الحضارة في ناطحات السحاب لا في ذاكرة الحجارة، اوهمونا ان الجديد اجمل دائما فصدقنا وهدموا، مشينا ورا شعار التجديد ونسيوا ان التجديد بلا جذور خراب.
لكن واحنا بنهد القديم بنهد معاه هويتنا وذاكرتنا، من يهدم اليوم كان ممكن يكون درس لاولادنا غدا، كان ممكن يقفوا قدامه ويعرفوا هما مين وجدودهم كانوا عايشين ازاي.
الى متى سنظل نردد كان هنا؟ الى متى ونحن نشاهد تاريخنا وهو يتمسح قطعة قطعة؟
ونجد معظم دول العالم التي ليس لها تاريخ تحاول أن تخلق لها تاريخا بمبنى أو صرح ديني وبعضهم يخلق قصص و حكايات قديمة لخلق زمن قدیم و تاریخ تتباهی به شعوبهم و ما بالنا لو مثل بلادنا هي الحضارة و التاريخ بحق و نجد محاولات البعض طمس ما تبقى من معالم من أجل توسيع شارع رئيسي أو بناء كوبرى و القلق والخوف هنا يأتي عند هدم معالم شهد عليها التاريخ و عند البحث عنها نجدها اتمسحت ومكانها انتهى وزال و أصبح كان هنا ولا يزال المحو مستمر.
لا تهدموا التاريخ فمن لا ماضي له لا مستقبل له، ومن يبيع ذاكرته اليوم سيشتريها غدا بدموعه، الحجر اللي بتهده النهارده،هو الحكاية اللي هتوه من ولادك بكره.المباني الأثرية ليست عبئا على الميزانية، هي الميزان الذي يزن هويتنا، إذا مال الميزان سقطنا جميعا.





